وهبة الزحيلي
180
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فقه الحياة أو الأحكام : هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك ، فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد ، والمعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ، ولو وحدك ؛ لأنه وعده بالنصر . قال الزجاج : أمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالجهاد وإن قاتل وحده ؛ لأنه قد ضمن له النصرة . وهي تدل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بقتال المشركين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وإن كان وحده ، كما أنها تدل على اتصاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشجاعة لا نظير لها ، وقد ثبت وحده في أحد وحنين وكان الأبطال يتقون به ، قال علي كرم اللّه وجهه : « كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه » . واشتملت الآية على حض المؤمنين على الجهاد والقتال ، ودلت على وعد من اللّه بنصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتحقق هذا الوعد ، كما أوضحت ، ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام ، فمتى وجد ولو لحظة مثلا ، فقد صدق الوعد ، فكف اللّه بأس المشركين ببدر الصغرى ، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ الأحزاب 33 / 25 ] . وكذلك انتصر المؤمنون على المشركين في الحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة ، ففطن بهم المسلمون ، فخرجوا فأخذوهم أسرى ، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح ، وهو المراد بقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [ الفتح 48 / 24 ] . وألقى اللّه الرعب في قلوب الأحزاب يوم الخندق ، وانصرفوا من غير قتل ولا قتال ، كما قال تعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ الأحزاب 33 / 25 ] . وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم . وقبل كثير من